الأربعاء، 18 مايو 2011

من ما قرأت: الأمیر فوق من ذكرت

هذه مقالة قديمة قرأتها للكاتب الرائع د. احمد خالد توفيق و هي تلخص أشياء كثيرة..



لست أذكر المناسبة بالضبط، لأنني كنت مراھقًا في المدرسة الثانویة أجلس أمام جھاز التلفزیون، أتابع ما أذكر أنھ


حفل تكریم أو عید للعلم .. شيء من ھذا القبیل .. على المنصة یجلس الرئیس الراحل(أنور السادات)، واللحظة ھي


تكریم أحد أستاذتھ السابقین في المدرسة .. كان الرئیس الراحل یحب ھذه المواقف لما فیھا من مسحة درامیة .. (ھل تذكر الحطاب الفقیر الذي آویتھ في دارك وأطعمتھ في تلك اللیلة ؟.. لقد كان ھو الخلیفة متنكرًا ! .. وقد خلع علیك قصرًا وزكیبة من الذھب).. وقد سبق ھذا تكریم مماثل لمن یدعى(سائق دمرو) الذي ساعد السادات في ظروف مماثلة ..
المھم أن الأستاذ المسن الذي تصلبت شرایین مخھ، والذي عاش عصور النفاق منذ أیام مولانا ولي النعم، اعتلى المنبر فقال بالحرف الواحد: "الله یقول: إن في خلق السموات والأرض واختلاف اللیل والنھار لآیات لأولي الألباب.. أما نحن فنقول: إن في خلق السادات والأرض .. كذا .."
أقسم بالله أن ھذا قیل حرفیًا، وسوف أُسأل عنھ یوم القیامة .. لقد أصابني الھلع من ھذه الدرجة العبقریة المفزعة التي یمكن أن یبلغھا النفاق .. والأغرب ھو أن أحدًا لم یعترض، والرئیس المؤمن نفسھ لم یھب لتصحیح كلمات الرجل ..
كانت نھایة عصر السادات كما أذكرھا مھرجانًا دائمًا من المزایدة على فن النفاق، وإنني لأذكر جلسة مجلس الشعب الصاخبة لتنصیب السادات سادس الخلفاء الراشدین.. بما أنني طنطاوي فقد شعرت بجو المولد الأحمدي العام حیث الكل یصرخ .. الكل مبتل بالعرق .. الكل یزاید .. ثم قتل السادات في ذات العام تقریبًا فلم یفده أحد بالروح أو الدم،
وبادر كاتب صحفي كبیر إلى انتقاد طریقة حكمھ بعد دفنھ بیومین ..
تذكرت ھذا كلھ عندما قرأت مذھولاً قصة الطالبة التي عبرت عن نفسھا في موضوع التعبیر فقامت الدنیا ولم تقعد.. كنت قد كتبت من قبل عن مفھوم الإذاعة المدرسیة والمدرس الذي یرغب في أن یرضى عنھ ناظر المدرسة،وناظر المدرسة الذي یشتھي أن یرضى عنھ وكیل الوزارة، ووكیل الوزارة الذي یتمنى أن یرضى عنھ الوزیر ..
كتبت عن التصور الحكومي للتلمیذ المثالي الذي یرقص طربًا لاتفاقیة الكویز أو توشكى، وقد امتلأ رأسھ بكلمات من عینة (النبراس) و(العلیاء) و(السؤدد) یرصھا في أي موضوع تعبیر .. التلمیذ الذي یؤمن أن الحكومة دائمًا على حق، وأن أفضل رئیس جمھوریة ھو الرئیس الحالي في اللحظة الحالیة ..
لم تكن (آلاء) كذلك .. وقد كتبت ما خطر لھا في ورقة التعبیر لأنھا افترضت أنھ ما دام اسم المادة تعبیرًا، فعلیھا أن تعبر عن نفسھا .. قال البعض إنھا كتبت تشتم (بوش) وقال البعض إنھا طالبت الرئیس بأن یتقي الله ..المھم أنھااصطدمت بعقلیة (النبراس) و(العین ما تعلاش على الحاجب) ھذه فكانت النتیجة كما یعرفھا الجمیع .. وكما یقول الأستاذ محمد حماد في جریدة (العربي ) الناصري: " والذى رأى وقرأ وسمع دفاع المسئولین فى وزارة التعلیم والتربیة سابقا عن الإجراء الذى اتخذوه بحق الطالبة یتصور أنھا خانت الوطن وخرجت عن الملة، إذ قالت للرئیس اتق الله واحكم بالإسلام، والأغرب أنھم لحسوا كلامھم صبیحة أعلن الرئیس عفوه الكریم عن ابنتھ الطالبة، وتغیرالحال فاستقبلھا الوزیر بنفسھ وھنأھا على نجاحھا الذى كانوا یریدون لھا أن تخسره وتخسر معھ عاما من عمرھا! ..
انقلب حال الوزارة وانقلب حال الصحف وخرست ألسنة السوء التى طالبت بمعاقبة الطالبة التى خرجت عن الأخلاق وأساءت الأدب، وتبدل الحال وأصبح ما قالتھ یدخل فى باب حریة الرأى التى یحترمھا الرئیس ویحرضھا وزمیلاتھا وزملاءھا على ممارستھا! "ھناك إشاعة قویة یتناقلھا الناس حول أن أمن الدولة اقتنع بأن ما تقولھ الفتاة لیس كلامھا، بل ھو كلام جھة أكبروأخطر !.. ھكذا تم اعتقال أبیھا للتحقیق معھ باعتباره بدایة الخیط التي ستقود إلى (أیمن الظواھري) نفسھ !..
سمعت ھذه الإشاعة فلم أصدقھا .. منطق النفاق یقول إنھ لن یجرؤ أحد على التحرش بھذه الطالبة ثانیة .. لقد اھتم الرئیس بھا شخصیًا وصار الاقتراب منھا محفوفًا بالخطر، وأعتقد أن ھؤلاء المسئولین الملكیین أكثر من الملك سوف یدفعون ثمن نفاقھم غالیًا .. نفس ما حدث لمذیع شھیر حاول أن یتملق الرئیس بطریقة ضایقتھ، وكانت النتیجةأن تم استبعاده تمامًا من أیة حوارات أخرى مع الرئیس.. لقد انقلب السحر على الساحر ..
إن ثقافة النفاق عتیقة جدًا في بلادنا .. ومھما دارت الأیام فإن مفھوم الشاعر الذي یدخل على الخلیفة فیمدحھ،ویخرج حاملاً زكیبة مال ، ھو مفھوم متأصل فینا ویصعب الخلاص منھ ..
لا ازعم أنني درست الأدب العالمي، لكن أزعم أن أي دارس للأدب سیتعب كثیرًا حتى یجد بیتًا من الشعر في أیة لغة یماثل ما قالھ ابن ھاني الأندلسي في مدح الخلیفة الفاطمي المعز لدین الله :
ماشئت لا ماشاءت الاقدار....فاحكم فأنت الواحد القھار
وكأنما أنت النبي محمد .....وكأنما أنصارك الانصار !!
بصرف النظر عما في ھذا الكلام – البیت الأول - من شرك صریح، فإن أیة أمة یُقال فیھا كلام كھذا ھي أمة
مقضي علیھا بالفناء، فلا غرابة أن یقال إن ھذا الشعر كان نذیرًا بفناء دولة العرب في الأندلس.
المزایدة تتكرر في قصص التراث بلا انقطاع .. ھا ھو ذا (أبو تمام) ینشد قصیدتھ السینیة أمام الأمیر (أحمد بن المعتصم) .. فیقول الشاعر في نفاق صادق حار واصفًا الأمیر:


إقدام عمرو في سماحة حاتم .....في حلم أحنف في ذكاء ایاس


ھنا یتدخل رجل بلغت بھ (سلطنة) النفاق درجة أعلى .. ھذا الرجل ھو أبو یوسف یعقوب الكندي قائلاً:


"الأمیر فوق من ذكرت !"


یعني كل ھذا النفاق غیر كاف .. الأمیر أعظم من ھذا .. لابد من المزایدة فقد بدأ (مولد) النفاق .. وعلى الفوریستغل (أبو تمام) موھبتھ لیرتجل شعرًا لم یكن مكتوبًا:


لا تنكروا ضربي لھ من دونھ ... مثلا شرودا في الندى والباس


فاللّھ قد ضرب الاقل لنوره ......مثلا من المشكاة والنبراس


ھذه القصة لا ترد في المراجع دلیلاً على عبقریة النفاق أو قلة الأدب (فھناك تشبیھ ضمني للأمیر بالله تعالى) ، بل على براعة الشاعر وحسن تصرفھ .. ولسبب ما أوشك أن أرى ذلك المسئول التربوي الذي ألغى امتحان آلاء یصرخ فیھا : الأمیر فوق من ذكرت !...
الأمثلة كثیرة جدًا ولا شك في أنني نسیت ذكر أھمھا .. لكني أتذكر كذلك مقولة الأستاذ (أحمد بھجت) الرائعة :


"للنفاق في بلادنا ھیبة".. كان یحكي عن زیارتھ لأحد أصدقائھ – ممن لم یعرف عنھم أي تدین - الذي صار شیخ طریقة .. قابلھ جالسًا في سرادق محاطًا بالمریدین، فتقدم نحوه لیصافحھ وھو یوشك على الانفجار ضحكًا .. ثم أخذتھ ھیبة النفاق فانحنى یلثم یده !


أحیانًا یبلغ النفاق درجات من التعقید یصعب أن تتخیلھا .. مثل ذلك المطرب الذي ینشد في أحد أعیاد أكتوبر: "لا حیغنیني ولا یرقیني .. ولا فیھ مصلحة بینھ وبیني .. باقولھا وأجري على الله .. علشان كده احنا اخترناه !" .. یرید أن یقنعني أن مدحھ لرئیس الجمھوریة ھو كلمة حق أمام سلطان جائر ! .. وأجره بعد ذلك على الله ..


ذات مرة – قبل أن یدخل معترك السیاسة بھذا الوضوح – زار السید (جمال مبارك) مدرسة خاصة للفتیات في القاھرة، فنشرت التلمیذات في إحدى المجلات رسالة مناشدة إلى الرئیس تقول: "نحن في بلد دیمقراطي ومن حقناالتعبیر عما یجول بخاطرنا، وانت علمتنا الحریة وعدم الخوف .. لذا نطالب الرئیس مبارك بأن یكلف السید (جمال)
بوظیفة سیاسیة مھمة !".. ھذا نوع من النفاق عجیب، على غرار: "أتركني أقول شھادتي التي سأسأل عنھا أمام الله.. أنت أعظم وأروع من رأیت !".. تخیل لو أنھن نشرن رسالة یطالبن فیھا الرئیس بعدم إسناد أي منصب رسمي لابنھ !


المنافقون .. المنتفعون .. مشكلة ھذا البلد وكل بلد عربي ..

ھناك دومًا من یریدون أن یبقى الحال على ما ھو علیھ، وھم قادرون في أیة لحظة  على تنظیم المظاھرات المضادة، ونشر العرائض المكتوبة بالدم والمبایعة، وأن یملئوا البلد باللافتات المؤیدة لأي شخص وأي قرار في أیةلحظة .. ھؤلاء ھم الذین یفرغون أي إصلاح حقیقي من محتواه ..


سواء كانت نیة الرئیس (علي عبد الله صالح) صادقة في التخلي عن الحكم أم خلاف ذلك، فقد تكفل ھؤلاء في الیمن بإحباطھا وعادت الأمور كما كانت، وھم مستعدون في أي بلد عربي كي یھتفوا (الأمیر فوق من ذكرت) في أیةلحظة .. ولسوف یظھر لھم من یزید بیتین من الشعر لإرضاء الحاكم.

الأمیر فوق من ذكرت .. فلا مكان لطالبة ساذجة تعتقد أن موضوع التعبیر یعطیھا الحق في أن تعبر عن أفكارھا ..

والویل كل الویل لمن یبتعد عن ثقافة(السؤدد) و(النبراس)ھذه .


احمد خالد توفيق


2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق